عباس الإسماعيلي اليزدي
332
ينابيع الحكمة
المدينة فتزوّد منها ثمّ أتى بعض جبالها ، فتعبّد فيها ولبس مسحا وغلّ يديه جميعا إلى عنقه ونادى : يا ربّ ، هذا عبدك بهلول بين يديك مغلول يا ربّ ، أنت الذي تعرفني وزلّ منّي ما تعلم سيّدي يا ربّ ، إنّي أصبحت من النادمين وأتيت بنبيّك تائبا فطردني وزادني خوفا ، فأسألك باسمك وجلالك وعظمة سلطانك أن لا تخيّب رجائي ، سيّدي ولا تبطل دعائي ولا تقنطني من رحمتك ، فلم يزل يقول ذلك أربعين يوما وليلة ، تبكي له السباع والوحوش ، فلمّا تمّت له أربعون يوما وليلة رفع يديه إلى السماء وقال : اللهم ما فعلت في حاجتي إن كنت استجبت دعائي وغفرت خطيئتي فأوح إلى نبيّك وإن لم تستجب لي دعائي ولم تغفر لي خطيئتي وأردت عقوبتي فعجّل بنار تحرقني أو عقوبة في الدنيا تهلكني وخلّصني من فضيحة يوم القيامة . فأنزل اللّه تبارك وتعالى على نبيّه صلّى اللّه عليه وآله : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً يعني الزنا أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ يعني بارتكاب ذنب أعظم من الزنا ونبش القبور وأخذ الأكفان ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ يقول : خافوا اللّه فعجّلوا التوبة وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ يقول عزّ وجلّ : أتاك عبدي يا محمّد ، تائبا فطردته فأين يذهب ؟ وإلى من يقصد ؟ ومن يسأل أن يغفر له ذنبا غيري ؟ . . . فلمّا نزلت هذه الآية على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله خرج وهو يتلوها ويتبسّم فقال لأصحابه : من يدلّني على ذلك الشابّ التائب ، فقال معاذ : يا رسول اللّه ، بلغنا أنّه في موضع كذا وكذا ، فمضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بأصحابه حتّى انتهوا إلى ذلك الجبل فصعدوا إليه يطلبون الشابّ ، فإذا هم بالشابّ قائم بين صخرتين ، مغلولة يداه إلى عنقه قد اسودّ وجهه وتساقطت أشفار عينيه من البكاء وهو يقول : « سيّدي قد أحسنت خلقي . . . فليت شعري تغفر خطيئتي أم تفضحني بها يوم القيامة » فلم يزل يقول نحو هذا وهو يبكي ويحثو التراب على رأسه وقد أحاطت به السباع وصفّت فوقه الطير وهم يبكون لبكائه .